نداء الإنسانية

الشخصية القانونية والمركز القانوني للاجئين والنازحين المدنيين في السودان

الشخصية القانونية والمركز القانوني للاجئين والنازحين المدنيين في السودان
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 في مناطق واسعة في السودان بين أطراف النزاع المسلح الذي أدى إلى نزوح ولجوء عدد كبير من المدنيين إلى مناطق داخل السودان أو إلى دول خارج حدود الدولة السودانية، وذلك نتيجة العمليات العسكرية وآثارها. صنع هذا الوضع أثراً قانونياً جديداً على المراكز القانونية للمدنيين من حيث الاختصاص والصفة والمركز القانوني.
كفل القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني بموجب الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والإقليمية والعرف الدولي وممارسات الحماية المشابهة وقرارات المحاكم الدولية والعدلية الصادرة بشأن الحماية للمدنيين أثناء النزاعات الدولية والنزاعات الداخلية.
حيث يحتفظ المدنيون بكامل أهليتهم المدنية ويمارسون الحقوق المترتبة على ذلك، وتكون حماية المدنيين واجباً على الكافة دون أي تمييز سلبي وتحت شتى الظروف من آثار العمليات العسكرية ونتائجها، وينظم ذلك عبر الآليات الدولية والإقليمية والمحلية.
والشخصية المدنية المعنية في هذا الأمر هي كل شخص لا يحمل السلاح في منطقة اشتعل فيها نزاع مسلح، ونتيجة لذلك تأثر تأثيراً مباشراً أو غير مباشر بالنزاع المسلح الدائر في محل إقامته الدائم، مما أدى إلى تركه محل إقامته الدائم له ولكل من يقع تحت مسؤوليته القانونية من أشخاص مثل الأطفال والنساء والعجزة والمرضى حفاظاً على حياته وحياة من تقع مسؤوليتهم على عاتقه.
وعملية الانتقال من مقر الإقامة الدائم إلى موقع آخر تنقسم إلى نوعين، حيث فر بعض المدنيين من مناطق النزاع إلى مناطق أخرى داخل الدولة لم يصلها النزاع، ويسمى في هذا الوضع بموجب القانون الدولي بالنازح، بينما قررت مجموعة أخرى الانتقال إلى دولة أخرى، ويطلق عليها بموجب القانون الدولي اسم اللاجئ. وفي كلتا الحالتين يعرف في القانون الدولي بالمدنيين.
إذاً، هذا الوضع صنع نوعين من الأشخاص في القانون الدولي: مدني لاجئ، وهو من ترك محل إقامته الدائم ولجأ إلى أراضي دولة أخرى نتيجة للنزاع المسلح الذي اشتعل في منطقة محل إقامته الدائم، وهو ومن تقع على عاتقه مسؤوليتهم القانونية، ومدني نازح، وهو من ترك محل إقامته الدائم ولجأ إلى منطقة أخرى داخل دولته التي يحمل جنسيتها بسبب نزاع مسلح أو أي ظرف إنساني نتيجة للنزاع المسلح هو أو من تقع على عاتقه مسؤوليتهم القانونية.
وأساس هذا التعريف القانوني ناتج من مصادر القانون الدولي من اتفاقيات ومعاهدات ومبادئ توجيهية والعرف الدولي وقرارات المحاكم الدولية. ومن أهم هذه المصادر بالنسبة للاجئين اتفاقية اللجوء لسنة 1951 بالإضافة إلى البروتوكول الإضافي الملحق لهذه الاتفاقية لسنة 1967، واتفاقية اللجوء الإقليمية الخاصة بالاتحاد الأفريقي لسنة 1969، بينما الأساس القانوني لوضع النازحين قائم على المبادئ الدولية التوجيهية بشأن التشريد الداخلي لسنة 1998 المعروفة دولياً بمبادئ دينغ، واتفاقية حماية ومساعدة النازحين الخاصة بالاتحاد الأفريقي لسنة 2009 والمعروفة باتفاق كمبالا للنازحين.
والحقوق للمدنيين أثناء الحرب عديدة وردت في القانون الدولي الإنساني في اتفاقيات جنيف الأربعة 1949 والمتعلقة بمعاملة المدنيين وآخرين أثناء الحروب والنزاعات المسلحة.
ومن أهمها تعويض المدنيين، وهو حق أساسي وقاعدة عرفية دولية وهي القواعد (149-150-151) من القانون الدولي الإنساني، وتطبق في شأن التعويض في حالة النزاعات المسلحة، وهي تلزم الجهات المتسببة في الانتهاكات بجبر الضرر وتعويض المدنيين والضحايا تعويضاً عينياً ومالياً ومادياً ومعنوياً. ويشمل هذا التعويض إعادة بناء المنازل وتغطية الإصابات والتعويض المالي لكل الأضرار وإعادة الوضع لما كان عليه قبل النزاع، بل يمتد التعويض ليشمل المصروفات التي تكبدها النازح أو اللاجئ أثناء النزوح ليشمل كل المصروفات بما فيها مصروفات السكن والإعاشة والتعليم والعلاج وفقدان مصدر الرزق والعمل والتعويض المعنوي والأدبي والمادي، وكذلك تعويض كل الأضرار المباشرة أو غير المباشرة التي كان سببها النزاع المسلح.
والتعويض هو حق قانوني وليس منحة تمنحها المنظمات والجهات والدول المانحة، ويطالب به عبر المحاكم والآليات المنظمة لذلك، ويكون المدعي بالحق المدني هو الشخص المتضرر أصالة عن نفسه ونيابة عن من تقع على عاتقه من مسؤولية قانونية من أطفال ونساء ومرضى وعجزة، وذلك عن كل ضرر مادي أو معنوي لحق به أو من الأشخاص الذين تقع المسؤولية على عاتقه. أما المسؤول عن هذا الضرر فهو الشخص أو الجهة أو الجهات التي شاركت في النزاع المسلح وارتكبت الفعل الضار ويتحمل التعويض.
ويتطلب المطالبة بالتعويض نشر الوعي وتنظيم الضحايا، ويتم ذلك عبر المحاكم الدولية والإقليمية والوطنية والآليات الدولية، ويتطلب نوعاً من الوعي والمعرفة المهنية الدقيقة بقواعد الاختصاص والإجراءات ومستوى الإثبات والبينة، والتي سنتناولها في طرح آخر.
والله من وراء القصد.
أحمد ميرغني سليمان المحامي بالسودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *